arenfr
الإثنين, 14 أيار 2018 23:59

بين المدينة والبادية

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)
 
 
 
أشد سجون الحياة قسوة فكرة خائبة يسجن الحي فيها، لا هو مستطيع أن يدعها، ولا هو قادر أن يحققها ؛ فهذا يمتد شقاؤه ما يمتد ولا يزال كأنه على أوله لا يتقدم إلى نهاية ؛
ويتألم ما يتألم ولا تزال تشعره الحياة أن كل ما فات من العذاب إنما هو بَدْء العذاب. 
كلمات قرأتها يوماً ،ورأيتها واقعاً في كثير من تفاصيل مجتمعي الصحرواي واعتقد أنها عالق من عوالق الجهل الصعبة الشفط.
ومهما كانت المشكلة صعبة فإن هناك حل لا محالة مهما بعد أو صعب إيجاده يجعلك تنتصر ، وإن ‏أعظم الانتصارات وأكبرها أثرًا تلك التي تتم في أعماقنا، أن نتغلّب على العقبات في دواخلنا، ونتجاوز الكثير، ونعمل على صقل مهاراتنا وأفكارنا، ونبني صروح طموحاتنا وأهدافنا، ونُقرِّر الانطلاق، من هناك.. من ذلك المكان تحديدًا ؛ تنشأ التغييرات العظمى.
وطلباً لمثل تلك التغييرات عودت نفسي وعلمتني النظر والتركيز دائما في الجزء الملء من الكأس، ليس ضعفاً ،ولا خوفاً ،بل ربما حفاظاً على مضغة بين اضلعي، اردت حمايتها والمحافظة على مبادئها، اردت أن لا تسكنها التعتمة وإن تسللت إليها مرة، لذلك كلما تذكرت الماضي أعدت ايامي المشرقة لأفرح ، وإذا تأملت حاضري ركزت على إنجازاتي رغم بساطتها لأسعد ، وإذا نظرت إلى الغد تذكرت احلامي لاتفاءل. 
وإذا شُحِنْت تفاءلاً ،شحنت اداة دفعي ، دفاعي ومدفعيتي ، إذا سقيته وارتوى،  اتيحت لي فرصة التفكر وهممت بالنظر إلى الجزء الفارغ من تلك الكأس، احاول تحليل ما يجعلها فارغة ويمنعها من الامتلاء ، أحاول ترتيب الأحداث وسحبت نفسي خارج الصندوق لأفكر بحيادية، لكنه أمر صعب، إذ أنه ليس هينا سلخ جسمك من جلدك ، اقتصاص بعضك من بعضك الآخر، حياتنا، ظروفنا، طريقة عيشنا وإن حاولت نقل نفسي خارج الصندوق وجدتني غير ملائمة لذلك،  انا جزء من محيطي وهو جزء مني ،انا وهو لايمكن فصل الواحد منا عن الآخر.
صحيح انها صحراء خالية، ارض جرداء،  ممطرة وباردة برد قارص شتاءاً،  حارة وجافة صيفاً ، وبينهما خريف كله رياح هوجاء، حبيبات رمل متطايرات وربيع مشابه له إلى حد بعيد إلا أنه تظهر فيه نوادر خضراء وسحر صحرواي خلاب، لا يوجد إلا هنا،  يجعلك تفتن به حد العشق، وماذا عساني اقول عن اهله، وكيف لي أن اصفهم؟
  هم بدو رحل، بسطاء بل من البساطة بساطتهم أشد ، لا كهرباء، لا غاز، مع ندرة في المياه ،  وافتقار إلى ابسط ضروريات الحياة ورغم ذلك الحياة الجميلة كلها في بلادي لا غيرها.
سألني أحد سكان المدينة يوماً وقد جذبه الفضول لالقاء نظرة عن كثب على حياة الصحاري فقام بزيارة خاطفة لمناطق مختلفة من الصحراء الكبرى كان لباديتي حظ خلالها ، سألني ربما فضولا أو سخرية، قال وكله استغراب ودهشة ، كيف تسكنون الخيم، كيف باستطاعتكم التعايش مع هذا الوضع المزري ،  لماذا لا تهجرون الحياة الصحراوية التي وكأنها حياة العصر الحجري إلى المدينة التي كلها تطور وعصرنة، أجابه شاب من باديتي ، كان صحراوي بإمتياز ، بدوي بعشق ، اوتماشق بمعنى الكلمة، ناجحاً بجدارة، وقد استطاع اقتطاف ما صعب عن اقرانه من اهل المدينة، قال بهدوء وكله قناعة، صحراءنا قوتنا، حياتنا الصعبة هي من صقلتنا، فمن تحت هذه الخيم ينشأ ويخرج رجال فيهم روح المدافع ، لا رجال في أيديهم سيوف من خشب، ربما قسوة حياتنا، وصعوبة عيشنا هي من يجعل الواحد منا سابق سنه بعصور لا بأيام ولا بسنوات .
كان يتحدث والبسمة لا تفارق وجهه السمح، استطاع اقناع ذاك المغرور المدني، الذي حسب أن لا حياة بلا كهرباء، لا حياة بلا غاز او لربما لا حياة من غير شبكة انترنت.
 
غربت شمس ذاك اليوم سريعاً ، حل الظلام وتلألأت السماء بالنجوم في جو من النقاش يملأه الجدل والضحكات ،تبادل للأفكار والآراء ، مقارنات بين المدينة والبادية ،متراجحات بين ساكني هذه وتلك ، كلن يرتب حججه وبراهينة بإتقان ، محاولاً كسب الرهان . 
طال النقاش حتى بلغنا نقطة اقتنعنا فيها أنه مهما حدث، لا تحاول أن تغير أحدهم ليلائمك ، ولا تغيّر من نفسك، لتلائم غيرك ، لقد خُلقنا مختلفين، لنتكامل ، لا لنتناسخ ،اهم شيء أن تكون مقتنعاً بنفسك ذا أثر نافع ، لأن أسعد الناس هم المعطاءون ، ليس الآخذون. 
ختمت السهرة بكلمات طيبات ، رفعت جلسه النقاش وكل الجهات راضية ، وأوى كل واحد منا إلى فراشه حتى يأخذ قسطاً قليلاً من الراحة قبل بزوغ فجر اليوم الجديد .
 
 
 
 
 
✒_________سعيدة اوداد 
قراءة 566 مرات